ابن الأثير

26

أسد الغابة ( دار الفكر )

ثم دعا الناس إلى الإسلام ، وقد ذكرنا أول من أسلم في أبى بكر ، وعلى ، وزيد بن حارثة ، واستجاب له نفر من الناس سرا حتى كثروا فظهر أمرهم ، والوجوه من كفار قريش غير منكرين لما يقول ، وكان إذا مر بهم يقولون : « إن محمدا يكلم من السماء » فلم يزالوا كذلك ، حتى أظهر عيب آلهتهم ، وأخبرهم أن آباءهم ماتوا على الكفر والضلال ، وأنهم في النار ، فعادوه وأبغضوه ، وآذوه ، وكان أصحابه إذا صلوا انطلقوا إلى الأودية وصلوا سرا ، ولما أظهرت قريش عداوته حدب عليه أبو طالب عمه ونصره ومنعه ، ثم إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم لما خاف كفار قريش ، اختفى هو ومن معه في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي إلى أن أسلم عمر فخرجوا ، ووثبت قريش على من فيها من المستضعفين فعذبوهم ، وذكرنا ذلك في أسمائهم مثل : بلال ، وعمار ، وصهيب وغيرهم ، ثم إن المسلمين هاجروا إلى الحبشة هجرتين على ما نذكره ، إن شاء اللَّه تعالى ، وأرادت قريش قتل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وأن يترك أبو طالب بينهم وبينه ، فلم يفعل ؛ فكتبوا صحيفة . على أن يقاطعوا بني هاشم وبني المطلب ومن أسلم معهم ولا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يكلموهم ولا يجلسوا إليهم ؛ على ما نذكره ، إن شاء اللَّه تعالى . ذكر وفاة خديجة وأبى طالب وذهاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إلى الطائف وعوده قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم : « ما زالت قريش كاعة [ ( 1 ) ] عنى حتى مات عمى أبو طالب » . وفي السنة العاشرة أول ذي القعدة وقيل : النصف من شوال توفى أبو طالب وكان عمره بضعا وثمانين سنة ، ثم توفيت بعده خديجة بثلاثة أيام ، وقيل بشهر ، وقيل : كان بينهما شهر وخمسة أيام ، وقيل : خمسون يوما ودفنها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بالحجون [ ( 2 ) ] ، ولم تكن الصلاة على الجنائز يومئذ ، وقيل : إنها ماتت قبل أبى طالب وكان عمرها خمسا وستين سنة ، وكان مقامها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بعد ما تزوجها أربعا وعشرين سنة وستة أشهر ، وكان موتها قبل الهجرة بثلاث سنين وثلاثة أشهر ونصف ، وقيل : قبل الهجرة بسنة ، واللَّه أعلم . قال عروة : ما ماتت خديجة إلا بعد الإسراء ، وبعد أن صلت الفريضة مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وسلم ، ولما اشتد بأبي طالب مرضه دعا بنى عبد المطلب فقال : إنكم لن تزالوا بخير ما سمعتم قول محمد واتبعتم أمره ؛ فاتبعوه وصدقوه ترشدوا . أخبرنا عبيد اللَّه بن أحمد باسناده عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال : ثم إن خديجة وأبا طالب ماتا في عام واحد ؛ فتتابعت على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم المصائب ، وكانت خديجة وزير صدق على الإسلام ، وكان يسكن إليها [ ( 3 ) ] ، ولم يتزوج عليها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حتى ماتت . ولما توفيا خرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إلى الطائف لثلاث بقين من شوال سنة عشر من المبعث ، ومعه مولاه زيد بن حارثة ، يدعوهم إلى الإسلام ؛ فآذته ثقيف وسمع منهم ما يكره ، وأغروا به سفهاءهم ، وذكرنا القصة في « عداس » وغيره ، ولما عاد من الطائف أرسل إلى المطعم بن عدي يطلب منه أن يجيره ،

--> [ ( 1 ) ] كع : جبن . [ ( 2 ) ] جبل بمعلاة مكة . [ ( 3 ) ] في شرح السيرة 1 - 416 : « وزير صدق على الإسلام ، يشكو إليها » [ أسد الغابة - كتاب الشعب ]